PAYLAŞ
 
تــقرير فـى شــــــأن اداء الصـــلاة
 

 

 
 فى البلاد التى ينعدم فيها
بعض او كل علامات الصلاة.
 
خليل عبد الكريم كوننج 
عضو المجمع
 
ربيع الاول 29 – 1430 هجرى
الموافق   26-03- 2009 م  
 
تقرير فى شأن اداء الصلاة فى البلاد التى ينعدم فيها
بعض او كل علامات الصلاة.
 
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وعلى آله الكرام وصحابته الاخيار اجمعين.   وبعد…
فان فرضية الصلوات الخمس ثابتة بالضرورة، بالآيات القرانية والاحاديث النبوية المتواترة، فلا يمكن انكارها؛ ولذلك لم يختلف المسلمون في شأنها عصورا عديدة، حيث ان المسلمين كان جلهم يعيشون فى البلاد المعتدلة التى يتكون فيها الليل والنهار وتوجد فيها العلامات التى تدل على اوقات الصلوات.
ثم بعد ما اسلم التتار وانتشر الاسلام فى البلاد التى ينعدم فيها بعض العلامات فى بعض المواسم كمدينة (قازان) عاصمة جمهورية (تترستان) وبلاد (بلغار) و(ايديل) و(اوفا) عاصمة جمهورية (باش قردستان) هذه الاماكن التى هي على خط خمس وخمسين درجة فى العرض الشمالى وما وراءها. وكان ابتداء دخول سكان هذه البلاد فى دين الاسلام فى عهد خلافة المأمون بن هارون الرشيد. و ازداد  انشاره بعد ما اسلم ملك بلغار المسمى باسم الماس خان بن سلكي خان مع حاشيته واركان دولته واعيان مملكته كما يقول هارون بن بهاء الدين المرجانى شهاب الدين، بعد ما انتشر الاسلام فى هذه البلاد وقع الاختلاف حول فرضية العشاء ووقت اداءها حيث ان الشفق الذي هو علامة دخول وقت صلاة العشاء معدوم فى هذه البلاد فى اربعينية الصيف لا يغيب فيها. وذلك لانه ليس هناك نص لا فى القرآن ولا فى السنة يبين بصراحة وضع هذه الصلاة وزمن دخول وقت اداءها ولا وقت دخول الاوقات الخمس فى البلاد التى هي فوق ست وستين درجة والتى تنعدم فيها علامة الصلوات اشهرا عديدة، هذه العلامات التى حددها الرسول صلى الله عليه وسلم فى مختلف الاحاديث، مثل الحديث الوارد عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله عليه وسلم: وقت الظهر اذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر العصر، ووقت العصر مالم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت صلاة العشاء الليل الاوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر مالم تطلع الشمس اخرجه مسلم.
اختلف الفقهاء فيما بينهم فى شأن صلاة العشاء فقال بعض منهم: لا يكلف المرأ بهذه الصلاة فى مثل هذه البلاد التى تنعدم فيها علاماتها ولا فى البلاد التى هى فوقها والتى تنعدم فيها علامات سائر الصلوات. ومن هؤلاء العلماء صاحب الكنز والدرر والبقالى والحلوانى والمرغينانى… 
وقال الاخرون: يكلف المرء بها وبسائر الصلوات حيث ان المسلمين اين ما كانوا مكلفون باقامة الصلاة و غيرها من الفرائض لان امر (واقيموا الصلاة) مثلا امر عام للمسلمين جميعا لا يكلف بها بعضهم ويترك بعضهم، ومن هؤلاء العلماء البرهان والكمال وشيخ الاسلام عبد البر ابن الشحنة والنووي وزكريا الانصارى وابن حجر والرملي والخطيب الشربيني…
ثم اختلف هؤلاء وامثالهم فى زمن ادائها فقال الشافعية والمالكية: بتقدير وقت عشاء البلد الذى تبدو فيه المشكلة بمضي زمان يكون بقدر ما يغيب فيه الشفق فى اقرب البلاد اليه.
يقول الخطيب الشربيني: ومن لا عشاء لهم بان يكونوا فى نواح لا يغيب فيها شفقهم يقدرون قدر ما يغيب فيه الشفق باقرب البلاد… اى فان كان شفقهم يغيب عند ربع ليلهم مثلا اعتبر من ليل هؤلاء بالنسبة.[1] 
وقال الرملي: ومن لا عشاء لهم لكونهم فى نواح يقصر ليلهم ولايغيب الشفق تكون العشاء في حقهم بمضى زمان يغيب فيه الشفق فى اقرب البلاد، وتؤدى صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فى مثل هذه البلاد وان لم يكن عنده طلوع الفجر.[2]   
وقال الحنفية: بتقدير وقت عشاء هذا البلد الآنف الذكر بمضى مقدار ما بين المغرب والعشاء فى اقرب ليال هذا البلد التى يغيب فيها الشفق مثلا: لوكان الشفق فيه يغيب في شهر ابريل فى الساعة الثانية عشر ليلا فى مدينة بروكسل ولا يغيب فيها فى شهر مايو ويونيو ويوليو فعلى المقيمين فى هذه المدينة وحواليها ان يصلى العشاء فى الساعة الثانية عشر ليلا وان لم يغب الشفق.
قال صاحب الفيض: ولو كانوا فى بلدة يطلع فيها الفجر قبل غيبوبة الشفق لا يجب عليه صلاة العشاء وقيل يجب ويقدر الوقت.
قال ابن عابدين: والذى يظهر من عبارة الفيض ان يقدر ان الوقت قد وجد كمايقدر وجوده فى ايام الدجال. وحاصله انا لا نسلم لزوم وجود السبب حقيقة بل يكفى تقديره كما فى ايام الدجال. ويستمر ابن عابدين قائلا: فتعين ما قلنا فى حق التقدير ما لم يوجد نقل صريح بخلافه.[3]
وتقول الموسوعة الفقهية: وذهب بعض علماء الحنفية الى عدم سقوط هذه الصلوات عنه ويقدرون لكل صلاة وقتا، ففى الستة الاشهر التى تستمر فى نهار دائم يقدرون للمغرب والعشاء والوتر والفجر وقتا، مثل الستة الاشهر الاخرى  ويقدرون للصبح والظهر والعصر وقتا.[4]     
ويقول بعض الفقهاء بالتقدير حسب الاقطار الاستوائية، بمعنى انه اذا انعدم وقت العشاء فى اي بلد فعلى المقيمين فيه ان يصلوا العشاء بمضي مقدار الزمان الذي هو بين المغرب والعشاء في بلد من الاقطار الاستوائية. [5]  
وذهب بعض الفقهاء الى جواز جمع صلاة المغرب والعشاء جمع تقديم للحاجة. وهو قول ابن سيرين واشهب من اصحاب مالك وحكاه الخطابى عن الفقال والشاشي الكبير من اصحاب الشافعي عن ابى اسحاق المروزى واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: اراد ان لا يحرج امته فلم يعلله بمرض ولا غيره. [6]
وقد عقدت رابطة العالم الاسلامى اجتماعا  لحل هذه المشكلة سنة:1400 هجرى الموافق سنة 1980 م. فى عاصمة بلجيكا برئاسة الامين العام للرابطة معالى الاستاذ محمد على الحركان رحمه الله واشترك فيه كثير من الوفود من مختلف الدول الاسلامية وممثلى المسلمين المقيمين فى دول اوروبا، وكنت احد الاعضاء فى وفد تركيا برئاسة رئيس الشؤون الدنيية انذك.
وفد قرر الوفود المشتركة بعد نقاش طويل فى شأن المشكلة ما يلي:
لقد تدارس المجتمعون وضع المسلمين وظروفهم الصعبة فى هذه البلدان التى مابعد خط 45 درجة ولا يغيب فيها الشفق او التى تطول فيها مدة الشفق وقد يبقى الشفق طول اليل ولا يفرق بين شفق العشاء والفجر لتداخلهما، مما يلحق بالمسلمين حرجا عظيما فانتظارهم لاداء صلاة العشاء حتى يغيب الشفق بعد مدة طوبلة او انتظارهم لاداء صلاة العشاء فى وقتها الذى قد يستمر طول اليل لبقاء الشفق طول الليل لا شك مع الايام الكثيرة يلحق بهم ضررا باجسامهم وصحتهم ومعاشهم والحاق الحرج بهم. 
والشريعة الاسلامية لم تجعل فى الدين حرجا بل رفعت الحرج عن المسلمين ولهذا اباحت للمريض ومن فى حكمه فعل الارفق به من اداء الصلاتين اللتين يمكن الجمع بينهما فى وقت احداهما، فهؤلاء المسلمون لا يقلون حرجا عن المريض لانه من المتحقق جدا انه يطول الليل، وطول السهر يضر بالاجسام وتضطرب الصحة والحياة المعيشية لهم. فان لهم عند وجود الحرج والضرر الجمع بين الصلاتين (المغرب والعشاء) فى وقت الاولى. وانطلاقا من هذا المبدأ وهو الرفق بالمسلمين للضرورة، فان المجتمعين يرون جواز ذلك الجمع لهم وان كان هذا الجمع له وقت من تقديم او تأخير، الا ان المجتمعين يرون حرصا على الجماعة وتحقيقا لمبدأ الرفق مع الضرورة بان يحدد وقت للعشاء، وتمشيا مع اختيار بعض علماء الشريعة من انه فى حالة انعدام العلامة يؤخذ بتوقيت البلدان المعتدلة كمكة والمدينة، بان يؤخذ بتوقيت مكة المكرمة للعشاء يوميا ويضاف الى غروب شمس البلد المطلوب.
وقد ورد فى المصنف للصنعانى ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صلوا العشاء، وفى نسخة عجلوا قبل ان ينام المريض ويكسل العامل: كما ورد فى كتاب(ناظورة الحق فى فرضية العشاء وان لم يغب الشفق) ان ظهير الدين المرغينانى لما قدم فرغانة راي كسالى بخارى يصلون العشاء قبل ان يغيب الشفق فاراد منعهم عن ذلك ثم لقي شمس الائمة السرخسى وشاوره فىما قصده فقال لا تفعل، فانك ان منعت عن ذلك تركوها بالكلية واما الان فانهم يؤدونها فى وقت يجيزه بعض الائمة.
ففى هذا مستانس لما يراه المجتمعون على ان لا يكون هذا التحديد الزاميا فمن كانت لديه الاستطاعة والمقدرة والتحمل حتى غياب الشفق فى البلد الذى يغيب فيه متأخرا او فى البلاد التى يغيب الشفق فيها فالافضل له التاخير الى آخر العلامة فى البلد الذى يغيب فيه الشفق.   وبالله التوفيق.
نعم ان رابطة العالم الاسلامي عقدت في ذلك التاريخ المذكور اجتماعا مؤلفاً من الوفود القادمة من مختلف البلدان الذين يوثق بهم وبعد المناقشة الطويلة اخذوا هذا القرار اللازم لحل هذه المشكلة ولكن مع الاسف مازالت المشكلة كماهى لم تنحل، والاختلاف على قدم وساق. وكل من المغتربين الذين يعشون في هذه البلاد التى تبدوا فيها المشكلة يعمل على شاكلته وكل حزب بما لديهم فرحون. 
ولذلك يريد المجمع الفقهى الاسلامى ان يعقد اجتماعا ثانيا ويناقش القضية من جديد ويأخذ القرار الذي يراه.
وخلاصة القول هو: انه لا يمكن ان يكون القرار الذى يراد اخذه خارج هذه الاحتمالات:
1.القول بتقدير وقت عشاء البلد الذى فيه  الاشكال بمضي زمان يكون بقدر مايغيب فيه الشفق فى اقرب البلاد اليه. 
2.القول بتقدير وقت عشاء هذا البلد الآنف الذكر بمقدار ما بين المغرب والعشاء فيه فى اقرب لياليه التى يغيب فيها الشفق.
3.القول بالتقدير حسب الاقطار الاستوائية بمعنى انه اذا انعدم وقت العشاء في اى بلد فعلى المقيمين فيه ان يصلوا العشاء بمضي مقدار الزمان الذى هو بين المغرب والعشاء في بلد من الاقطار الاستوائية.
4.القول بجمع المغرب والعشاء جمع تقديم بعد ما لم يغب الشفق فى بلد الاشكال حيث ذهب جماعة من الفقهاء الى جواز الجمع فى الحضر عند الحاجة كما ذكرناه انفا.
واذا لم يتفق المعنيون بالامر مع امكان ذلك فسيستمر هذا الاختلاف.
ولا بد وان يؤخذ بعين الاعتبار الاتفاق مع رئاسة الشؤون الدينية فى تركيا لانه لها دعاة وممثلون فى مختلف بلاد اوروبا وفى الجمهوريات التابعة لاتحاد روسيا ودول آسيا الوسطى هذا
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خليل عبد الكريم كوننج عضو المجمع


[1]مغنى المحتاج ج:1 ص:123-124
[2]نهاية المحتاج ج:1 ص:350
[3]رد المحتار ج:1 ص:241
[4]ج:7 ص:188
[5]ناظورة الحق فى فرضية العشاء وان لم يغب الشفق ص:117-144-145
[6]شرح مسم للنووى ج:5 ص:19