PAYLAŞ
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
 
وحدة الأمة الإسلامية واسسها ومعوقاتها
 
 
 
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين محمد وعلى آله وصحبهوبعد …
 
    فإن دين الإسلام هو دين الأخوة ودين الوحدة، يأمر المسلمين بان يكونوا كتلة واحدة متلاحمة بعيدين عن التفرق والاختلاف لا تعرف العداوة إلى قلوبهم طريقا ولا الأحقاد التاريخية ولاالرعونة العنصرية إلى ضمائرهم سبيلا. فان أية امة أرادات أن تصعد نحو العلى فواجبها الأول هو أن تتحد وتتساند لأن الوحدة تورث العزة والكرامة وتورث القوة والسؤدد، وان أية امة اختلفت فيما بينها فعاقبتها الضعف والهوان ولا يمكن أن تتقدم إلى الأمام بل ستهوىإلى أسفل الدركات.
 
قال تعال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداد فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا خفرة من النار فأنقذكم منها سورة آل عمران :103 )
 
وقال رسول الله(ص): آمركم بخمس بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ومن فارق الجماعة قيد شبر فهو من جثيجهنم وإن صام وصلى وزعم انه مسلم
 
نعم يجب ان يتحدوا فيما بينهم، وإلا فسيكونون عرضة للزوال تذهب بهم رياح التفرقة وأعاصير الاختلاف إلى مكان سحيق.
 
    إن الإيمان يستدعي توحيد قلوب المؤمنين وتوحيد صفوفهم ونبذ الخلاف ويستدعي أن تكونأفعالهم وأقوالهم وفقأفعال وأقوال الرسول (ص) الذي ينادى بالوحدة وأداءالعبودية الكبرى في مسجد هذا الكون الكبير بامتثالالأوامر واجتناب المناهي واصطفاف الصفوف خلفه اقتداء به كإمام قائم فيمحراب العبودية وأن لا يخالفوه في شيء من أقواله وأفعاله وأطواره ويكونون وحدة متراصة لأن المأمومين مأمورون بمتابعت إمامهم. نعم تتكون روابط وأواصر متعددة تربط المؤمنين بعضهم ببعض فخالقهم واحد ومربيهم واحد ومعبودهم واحد.. ونبيهم واحد وكتابهم واحد وقبلتهم واحدة. وهذه الروابط المتعددة الكثيرة تستدعيأن يكونوا متحدين ومتراصين غير متفرقين وإلا لفقدوا قوتهم وذهبت ريحهم.
 
قال تعالى:”ولا تنازاغوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا.الأنفال /46
 
إن الإسلام ينادى الناس جميعا المؤمنين والكافرين بأنهم إخوة انحدروا من اصل واحد ومن أب واحد وأم واحدة فعليهم أن يتحدوا فيما بينهم ويتوجهوا جميعا إلى الله ويتعارفوا فيما بينهم ويتركوا النعرات العرقية والأعراف الجاهلية ويستمعوا إلى كلمة السماء:
 
يا أيها الناس إنا خلقناكممن ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير حجرات :13 . وقال رسول الله (ص):كلكم بنو ادم وادم خلق من تراب وقال ايضا”مثلالمؤمنينفيتوادهموتراحمهم وتواصلهمكمثل الجسدالواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
 
 
 
اسس الوحدة
 
لوحدة الامة الاسلامية أسس رئيسية تنبنى عليها:
 
الأول:الإيمان.
 
 فالإيمان هو صلة بين العباد وبين ربهم وخالقهم. والمؤمنون بباعث هذا الإيمان متصلون بالله خالقهم ورازقهم بروابط وثيقة وخيوط متينة، ونتيجة لذلك تتكون روابط بين المؤمنين بعضهم ببعض وتتحقق وحدتهم ويجتمع شملهم، يعنى أن الإيمان كما يربط المؤمنين بربهم فكذلك يربط المؤمنين بعضهم ببعض، ومن هنا يقول المولى سبحانه وتعالى: أنما المؤمنون إخوةحجرات:10 حيث يغذيهم ربهم جميعا على مائدة الإيمان ويداويهم بالأدوية التي هي مرصوفة في صيدلية القرآن، فكليأخذ غذائه ودوائه من هذه المائدة ومن تلك الصيدلية ويرضع من ألبان  القرآن والسنة، ولذلك نرى ان أي مؤمن إذا ما ذهب إلى أي بلد مسلم خارج بلده مهما كان نائيا وفي أي قارة كان وبأي لغة كان يتكلم وكيفما كان لون ساكنيه يحس في أعماق نفسه وكأنه يعيش في بلده وبين إخوته وأهله، فحق ان الإيمان هو اكبر رابطة تجمع المؤمنين وتشد بعضهم ببعض. وعلى المؤمنين أن يحافظوا على هذه الأخوة التي أوصى بها السماء وعلى وحدتهم وجمع شملهم.
 
ينادى الإسلام باعلى صوته الناس جميعا فيقول:أيها الناس إذا كنتم أناسا تملكون من العقول ما يميزكم عن سائرالعجماوات فاعملوا بمقتضى إنسانيتكم ولا تختلفوا لأنكم انحدرتم من اصل واحد، من أب واحد وأم واحدة وأنتم إخوة لا فرق بينكم، لا فرق بين ابيض وأسود ولا بين العرب والعجم فكلكم متساوون تساوى أسنان المشط؛إلا أن هناك فارقا واحدا يجعل إحدى كفتى الميزان عالية والأخرى سافلة وهو التقوى اى امتثال الأوامر واجتناب المناهى. يقول تعالى: إن أكرمكم عند الله اتقاكم ”
 
 
 
 الثاني: التعبد.
 
إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بان نتعبد بشتى العبادات ومنها عبادة الصلاة والصوم والزكاة والحج التي هي المقاصد الاساسية للإسلام والتي تريد من المتعبدين بها أن يكونوا متحدين فيها بينهم ومجتمعين. يأمرنا بان نصلى في اليوم والليلةخمسصلوات جماعةلافرادي ينادى المنادى لها كل يوم خمس مرات فيجتمع المسلمون في بيت من بيوت الله استجابة لهذه الدعوة ويقفون صفوفا متراصين وراء الإمام يقرؤون بأم الكتاب فيثنون على الله بالحمد والثناء ويقرون جميعا بأنهم يعبدون الله وحده ولا يعبدون غيره ويستعينونه ولا يستعينون غيره ويتضرعون إليه بان يهديهم إلى الصراط المستقيم.وهذه العبادةالسامية هي عبادة يومية.
 
ويأمرنا بان نؤدي صلاة الجمعة جماعة في الأسبوع مرة بجمع اكبر وحشد أوفر فنستمع أولا إلى الخطيب الذي يدعو الناس إلى الله وعبادته ثم بعد ذلك نصلى ركعتين صلاة الجمعة وهذه العبادة هي عبادة أسبوعية.
 
ويأمرنا بأن نصلى صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى في السنة مرةبجمع أعظم من الجموع التي ذكرناها فيجتمع الناس في المساجد  ويصلون ويتبادلون التهاني ويتزاورون فيما بينهم ويتصالحون وتذهب الإحن وتنطفي نار الحقد والعداوة.وكل هذه العبادات هي عبادات محلية.
 
ويأمرنا الإسلام بان نؤدي عبادة الحج كسائر الأمم فهي عبادة قديمة تعبد بها الأنبياء من قبل و تعبد بها أيضا نبينا. فيأمر المسلمين المستطيعين بان يجتمعوا من كل صوب من مشارق الأرض ومغاربها في رحاب مكة المكرمة وعرفة وضواحيها. فيعبدون ربهم بجموعهم الهائلة ويتضرعون  إليه حتى يغفر ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم ويتعارفوا فيما بينهم ويحققوا الوحدة المنشودة.وهذه العبادة هى عبادة عالمية.
 
ويأمرنا بان نصوم في السنة شهرا كاملا شهر رمضان فنمسك معا ونفطرمعا فنمسك عن الخطايا والآثام ونغسل أرواحنا وقلوبنا بماء التوبة والندم ونصوم النهار ونصلى بالليل صلاة القيام يشترك في هذه العبادة جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ويحقق وحدتهم ويزيدهم تماسكا وتساندا.
 
ويأمرنا بالزكاة التي هي صلة المسلمين صلة بين الأغنياء والفقراء والتيهي قنطرة الإسلام يغيث المسلمأخاه المسلم بالعبور عليها فتقوى العلاقة بينهم ويسود جو الحب والإخاء فىالمجتمع الاسلام ولا شك أن هذه العبادات التي سردناها هي عبادات اجتماعية تؤلف بين قلوب المؤمنين وتوحدهم.
 
 
 
الثالث:الحب في الله والتوادد.
 
إن الإسلام يأمر المؤمنين بان يتحابوا في الله ويتراحموا فيما بينهم. قال تعالى:
 
ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا انك رؤف رحيم
 
فإذا يجب على المؤمن أن يحب أخاه المؤمن ويحب له ما يحب لنفسه وأن لا يكن له العداوة والحقد وان يدعو ويتضرع إلى الله بان لا يجعل في قلبه غلا للذين آمنوا، لأنه لا يمكن للمرءأن يكون مؤمنا حقا إلابان يكن للمؤمنين الحب والتوادد ويقى نفسه من العداء لهم.
 
يقول الرسول (ص): فوالذى نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم.
 
فالحب والتوادد هوعماد الإيمان وغذائه يقويه ويربيه وهوعماد الوحدة ولا تتحقق الوحدة إلا بالحب والتوادد كما لايتحقق الإيمان إلابه. وإذا تعادى المؤمنون واختلفوا فيما بينهم تفرقوا وتمزقوا شر ممزق.
 
قال تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.
 
فالحب هو من أهم أسس الوحدة لا يمكن أن تقوم على ساقها الابه.
 
 
معوقات الوحدة
 
إن للوحدة معوقات كثيرة منها:
 
1- التعصب في المذاهب والمشارب
 
2- التعصب السياسي
 
3- التعصب القبلي والعرقي
 
4- بث الأعداء بذور التفرقة بين المؤمنين
 
5- الكفر وضعف الإيمان
 
نعم إن التعصب في المذاهب سواء كانت فقهية أو عقائدية  أولد علي مر التاريخ عداء وحقدا بين المسلمين وجعلهم أحزابا متناحرة يعادى بعضهم البعض باسم الدين والعقيدة لا يقل هذا العداء عن العداء الذي هو بين أهل الإيمان وأهل الكفر. ولم ينس التاريخ الحروب التي وقعت بين المسلمين في صدر الإسلام والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف ولا الحروب التي وقعت بين أهل السنة والخوارج وبين بعض المذاهب الفقهية ولا تطيب نفسي بان اذكرها. ونحن كثيرًا ما نقرأ بعض الكتب في مقدمتها أوفي آخرها حينما يريد المؤلف أن يبين عنوانه فيقول على سبيل المثال: احمد بن محمد الحنفى مذهباً  الماتوريديعقيدة النقشبندى طريقة.. حينما يقول هذا كأنه يعلن نفسه حسب اعتقاده بأنه الرجل المسلم الخالص. وكان ماعداه ممن لم يكن حائزاً لمثل هذه الأوصاف ليس لذلك.
 
وان التعصب السياسي الأعمى الذي جاء من الغرب إلى بعض البلاد التي تدعى الديموقراطية لهو اكبر عوامل التفرقة حيث يوقع العداوة بين صفوف المجتمع فتختلف أنديتهم وأماكن استراحتهم حتى تختلف مساجدهم فلكل فرقة مسجد وناد يخصهم ويشتد الجدل ويحتد النزاع بينهم وكل ذلك ليفوز هذا الحزب أوذلك بمقاعد الحكم أو ليكون فلان نائبا أو وزيراً لاغيره منغير فائدة تعود إلى احد.
 
وانقسام العالم الإسلامي اليوم إلى كتل ودويلات صغيرة ان هو إلا نتيجة هذا التناحر يجتهد رئيس هذه القبيلة أو تلك الطائفة بكل قواه لكي يمسك زمام الرئاسة بيده غيرآبه بوحدة المسلمين وقوتهملا يريد إلا أن يكون هو الرئيس والقائد ولا تهمه وحدة الأمة ولا تماسكها. وقد زادالطين بلة جهد أعداءالإسلام والمبشرين الذين لا يألون جهدا في سبيل بث بذور التفرقة وزعزعة عقيدة عوام الناسوجعلهم جماعات متعادية وقطع الروابط التي تربط المسلمين ببعضهم ببعض كما فعل الإنكليز أثناء الحرب العالمية الأولى. وكما تفعل أمريكا الآن في كثيرمن الأقطار الإسلامية.
 
فعلى المسلمين أن يستيقظوا من سباتهم العميق ويستمعواإلى صوت الحق صوت السماء القائل: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا / ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.
 
وما أحسن ما قاله الشاعر في مرثية الأندلس بصدد النكبة التي أصابت ذلك القطر الغالي:
 
ماذا التقاطع في الإسلام بينكـم         وانتمـوا ياعبـاد الله إخـوان
 
لمثل هذا يذوب القلب من كمد         ان كان في القلب اسلام و إيمان
 
 
 وبهذه المناسبة أريد أن أقدم مثالاً يبين أن الخير كل الخير والقوة إنما يكمنان في الوحدة وان الهوان والضعف إنما يكونان في التفرقة: إن الدولة السلجوقية  أوان شئت قلت بقية الدولة العباسية بعدما ضعف امرها وانقسمتإلى إمارات ودويلات متناحرة يحارب البعض البعض ويسفك بعضها دم البعض انتهزت الدول الصليبية هذه الحالة المخزية فرصة لغزو البلادالإسلامية لاسيما بلاد الشام وفلسطين والأناضول واستمرت الغزوات المتتالية بعد الاستيلاء على فلسطين وحواليها إلى أن نظم القائد المسلم صلاح الدين الايوبى جيوشا جرارة وصار يحارب هؤلاء الغزاة المعتدين إلىأن أخرجهم من بلاد المسلمين وردهم على عقيبهم. ثم بعد ردهة من الزمن تكونت الدولة العثمانية ووحدت بين الإمارات في الأناضول وجهزت جيوشا حاشدة وصارت تحارب هؤلاء الصليبين في قعر دارهم حتى استولت تقريبًا على نصف أراضىأوروبا وجعلت منها اقطارا إسلامية يتعالى من المساجد والمنائر التي أقامتها فيها صوت الحق صوت الأذان في كل مكان منها واستمر ذلك مئات السنين وكان كل ذلك بفضل الوحدة والتساند.
 
 وان التعصب العرقي لهو من أكبر العوائق التي تحول بين وحدة المسلمين. انك ترى أن الذي يتعصب لقومه يرى أن قومه أوعرقه أفضل وأعلا شانًا من عرق غيره.
 
يا أخي المسلم بماذا تفتخر بعرقك وما الفرق بينك وبين غيرك فكلكم ينو آدم وآدم خلق من تراب.
 
وانك إذا ما نظرت إلى أصلك القريب فترى أن أصلك كغيرك إنما هو من منى يمنى قال تعالى: “ألم يك  نطفة من منى ينمى
 
 فماذا هذا التفاخر وماذا هذا التعالي: ولتعلم أن الذي يعلي بك هو إنسانيتك وإيمانك. فإذا ما كنت مؤمنًا حقا فمقامك أعلى وشانك أسمى. قال تعالى:”إن أكرمكم عند الله اتقاكم وإلا فلا قيمة لك ولا وزن يقول الرسول الكريم: “ليس منا من دعا الي عصبية، ليس منا من قاتل على عصبية، ليس منا من مات على عصبية.
 
فكما ترى أن الرسول (ص) يحذر المسلمين من دعوى العصبية ومندعوى الجاهلية. فانه يؤدىالى التفرقة والتمزق ويؤدي إلى الاضمحلال
 
والعلاج الوحيد لوحدة الأمة هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله.
 
والاقتداء بالسلف الصالح والابتعاد عن الفتن.
 
واخيرا اقول ان الواجب على المسلمين ان تكون لهم جامعة تجمعهم وتلم شتات امرهم وتجعل منهم كتلة واحدة على اختلاف اقطارها وبلدانها والوانها ولغاتها وان يكون كل قطر من اقطارها المترامية الاطراف مستقلا استقلالا ذاتيا، تحكمه قوانين تليق به وباعرافه وعاداته ومصالحه التى لاتكون مناوئة للثوابت التى جاء بها الاسلام.
 
المأتمر الاسلامى الموجود اليوم يمكن ان يكون نواتا لهذه الجامعة ولكنه بوضعه الحالي ليس بالدرجة المطلوبة فانه لم يتمكن الى الان من سد اى خلل او ثغرة من الثغرات التى نخرت البدن الاسلامي
 
و لنلقى النظر  الى الاتحاد الذى كونته الولايات المتحدة المنسوجة من اقوام وامم مختلفة والى الاتحاد الاوروبى الذى كون من امم متناحرة ومتعادية فيما بينها الى الامس القريب ولنلق النظر على ذلك حتى نعتبر ونؤدي الواجب علينا.
 
واذا لم تتحقق هذه الوحدة فستستمر الامم الاسلامية فى انحطاتها وتضعضعها وستتداعى عليها الاعداء كما تداعى الاكلة على قصعتها.  
 
 
 
 
خليل كوننج